يعد حل النزاع مجالاً قديماً وجديداً في الوقت نفسه للدراسة الأكاديمية. قديم لأن البشر حاولوا دائماً تنظيم وتسوية النزاعات عن طريق الاستعانة بمجموعة من الاستراتيجيات التي تشمل سيادة القانون والاتفاقات السياسية والسلطة الدينية وأيضاً القوة العسكرية. كل هذه الاستراتيجيات تتفاوت في درجاتها مع التأكيد على مبادئ العدل والأخلاق والتوجيه الإلهي في إنهاء النزاع. ويُعتبر مجالاً جديداً للدراسة لأنه يحاول تجاوز تقديس تلك الاستراتيجيات عن طريق وضع أفكار نظرية حول طبيعة ومصادر النزاع، وكيف يمكن حل النزاع دون استعمال القوة العسكرية.
يعتبر جوهان غالتونغ من أهم المنظّرين في حل النزاعات، ومفهومي العنف والسلام. وقد عرض غالتونغ مفهوماً واسعاً للعنف، وقسمه إلى شكلين: العنف المباشر Direct violence والعنف الهيكلي Structural violence. يتضمن الأول العنف اليومي، سواء كان معاناة الفرد الجسدية أو النفسية، بوصفه نتيجة لإجراءات مباشرة. أما العنف الهيكلي فتتسبب فيه مؤسسات وهياكل المجتمع. كما قسم السلام إلى شكلين: السلام الايجابي والسلام السلبي. وفقاً لغالتونغ فإنّ السلام الإيجابي لا يعني فقط غياب الحرب ولكن أيضاً عدم وجود العنف الهيكلي الذي تتسبب فيه المؤسسات وهياكل المجتمع.

فالسلام الايجابي هو عدم وجود العنف بجميع أشكاله.
وتطبّق عبارة “حل النزاع” على كلّ أنواع الجهود المشتركة والمحاولات المتعمدة الهادفة إلى التقليل من خطر الحرب، وإلى التخفيف من الخصومات والنزاعات بين الأطراف وإلى توسيع إمكانات الصداقة والسلام وبناء الثقة. وتتضمن عملية حل النزاع مخاطبة الأسباب الجذرية للنزاع وحلها، بمعنى إنهاء حالة العنف دون عودة مرة أخرى إلى النزاع.
يرى جون سبانيير، وهو أكاديمي ومؤلف بارز في مجال العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، أنه يوجد على الأقل أربعة أنواع لحل النزاعات، وهي:
1 -تلك التي تكون فيها كلتا الدولتين خاسرتين.
2 -تلك التي تكون فيها كلتا الدولتين رابحتين.
3 -دولة واحدة تربح كل شيء.
4 -كلتا الدولتين هي جزئياً خاسرة وجزئياً رابحة من خلال معاهدة تسوية.
وإنّ تسوية النزاعات تختلف عن إدارة النزاعات، فالتسوية السلمية للنزاعات هي إنهاء النزاع Conflict termination عن طريق اتفاق متبادل Mutual agreement بين الأطراف ذات العلاقة. تمثّل التسوية تراجع الأطراف عن بعض أهدافهم الأولية ومواقعهم ومطالبهم، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون التراجع بنفس الحجم لكل الأطراف وإنما يستلزم بعض التصحيح للمواقف الأولية لكل الأطراف. والهدف من التسوية هو إنهاء حالة النزاع المسلح بإيقاف كل الأعمال العسكرية وجعل الأطراف في وضع غير راغبين في الاستيلاء أو تدمير قوة الخصم، ومن ثم إجراء تسوية بالطرق السياسية.
أما إدارة النزاعات تمثّل التعامل مع عناصر موقف النزاع باستخدام مزيج من أدوات المساومة الضاغطة والتوفيقية بما يحقق أهدافاً دولية ويحافظ على مصالحها الوطنية، وهي أيضاً عبارة عن محاولة لتطبيق مجموعة من الإجراءات والقواعد والأسس المبتكرة، تتجاوز الأشكال التنظيمية المألوفة وأساليب الإدارة الروتينية المتعارف عليها، وذلك بهدف السيطرة على النزاع والتحكم فيه وفقاً لمصلحة الدولة. ويرى جون برتون أنّ إدارة النزاع يمكن أن تحصر النزاع أو تحد منه، ولكنها تختلف عن حل النزاع في أنها لا تستهدف الحل النهائي للنزاع، في حين أنّ عملية حل النزاع تغوص في الأسباب العميقة للنزاع وتعالجها بصفة نهائية.

ومن أهم أدوات تحليل النزاعات:
مثلث غالتونغ وهو نموذج يستخدم لفهم النزاعات الدولية، يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية تشكل زوايا المثلث، وهي:
- النزاع الهيكلي: يتعامل مع الهياكل الاجتماعية والسياسية التي قد تؤدي إلى النزاع. يشمل ذلك التفاوت الاقتصادي، التمييز العرقي، والظلم الاجتماعي.
- النزاع الثقافي: يتناول القيم والعادات الثقافية التي قد تساهم في النزاع. يشمل ذلك الأفكار والمعتقدات التي تبرر العنف أو التمييز.
- النزاع المباشر: يشمل الأعمال العنيفة والمواجهات الفعلية بين الأطراف المتنازعة.
نموذج أوليفر لتطور النزاع وهو منحنى يساعد في فهم كيفية تطور النزاعات بمرور الوقت، أنشأه أوليفر وهو عالم اجتماع متخصص في دراسة النزاعات، ويتضمن عدة مراحل رئيسية:
- الاختلاف: تبدأ النزاعات بوجود اختلافات في الآراء أو المصالح بين الأطراف.
- التناقض: تتصاعد الاختلافات لتصبح تناقضات واضحة تؤدي إلى توتر بين الأطراف.
- استقطاب: تتزايد التوترات وتبدأ الأطراف في اتخاذ مواقف أكثر تطرفاً، مما يزيد من حدة النزاع.
- العنف: تتحول التوترات إلى أعمال عنف ومواجهات فعلية بين الأطراف.
- الحرب: يصل النزاع إلى ذروته ويصبح هناك صراع مسلح بين الأطراف.
- وقف إطلاق النار: تبدأ الأطراف في البحث عن طرق لوقف العنف والتوصل إلى هدنة.
- التسوية: يتم التوصل إلى اتفاقات لحل النزاع وتسوية الخلافات بين الأطراف.
- إعادة البناء: تبدأ الأطراف في إعادة بناء العلاقات وإصلاح الأضرار الناتجة عن النزاع.
- التطبيع: تعود العلاقات بين الأطراف إلى طبيعتها ويتم تحقيق السلام والاستقرار.

أما عن وسائل حل النزاعات الدولية:
الوسائل السلمية:
- التفاوض: يمثل التفاوض المباشر بين الأطراف المتنازعة أحد الأدوات الأساسية لحل النزاعات، إذ يجلس الطرفان للاتفاق على حل يرضي الجميع.
- الوساطة: تدخل طرف ثالث محايد ليقرب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة ويقترح حلولاً.
- التوفيق: إنشاء لجنة أو جهة تقوم بإيجاد تسوية للنزاع بناءً على مصالح الأطراف.
- التحكيم: يوافق الطرفان على عرض نزاعهما أمام هيئة أو شخص يُصدر قراراً ملزماً.
- القضاء الدولي: مثل محكمة العدل الدولية، حيث تُحل القضايا بناءً على القانون الدولي.
- المفاوضات متعددة الأطراف: عبر منظمات دولية كالأمم المتحدة، التي تسعى لوضع تسويات عن طريق قرارات ملزمة أو توصيات.
الوسائل غير السلمية:
- العقوبات الاقتصادية: تستخدم الدول أو المنظمات الدولية هذه الأداة للضغط على الأطراف المتنازعة.
- التدخل العسكري: يمكن أن يحدث لحماية حقوق معينة أو لتحقيق أهداف استراتيجية، سواء كان تدخلاً مباشراً أو من خلال قوات حفظ السلام.
- الحصار أو العزلة الدولية: تفرض على دولة معينة لعزلها دولياً.
- الحروب غير المباشرة أو بالوكالة: دعم أطراف أو فصائل داخلية في صراعات داخلية أو دول أخرى لتحقيق أهداف سياسية أو جيوسياسية.
