يُعَد مقال الكاتبة الناشطة والناقدة والباحثة الأمريكية من أصل بنغالي غاياتري سبيفاك «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» كما يقول مترجمه خالد حافظي عن دار صفحة سبعة للنشر عام ٢٠٢٠، مهماً وفارقاً، لأنه بالإضافة إلى أعمال مفكرين آخرين مثل إدوارد سعيد وهومي بابا وغيرهما من الأسماء اللامعة، ساهم من خلاله أفكاره الهادفة في دعم التيار ما بعد الاستعماري.
ألقي المقال أول مرة عام ١٩٨٣ بمناسبة إحياء مرور مئة عام على وفاة كارل ماركس، ولكن ألحقت كاتبته تعديلات عديدة عليه وصلت بوضعه في خانة التيار النسوي، ونشر أول مرة كنص كامل عام ١٩٨٨. تجلب سبيفاك في مقالها لساحة النقد أفكار فلاسفة ومؤرخين ومفكرين مشهورين على نحوٍ مكثف قصدَ فهم علاقات السلطة المعاصرة، ودور المثقف داخلها، الذي يتطلب دراسة لتقاطع نظرية التمثيل والاقتصاد السياسي للرأسمالية العالمية. السؤال الذي يطرحه المقال واضح من العنوان «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟»، ولكن ما المقصود بالتابع والمهمش؟
في واحد من الحوارات مع الكاتبة قالت إنّ مقالها هذا هو ثمرة جهد كبير لإعادة بناء ظروف حادثٍ معين. إنه الموقف الذي حاولت فيه امرأة تابعة الكلامَ بكل ما أوتيت من قوة.
تنطلق سبيفاك من نقد مسألة كيفية تمثيل موضوع العالم الثالث ضمن الخطاب الغربي. كما تتطرق إلى أنّ الإنتاج الفكري الغربي متواطئ، من نواحٍ عدة، مع المصالح الاقتصادية الدولية الغربية. ثم تقدم تحليلاً بديلاً للعلاقات بين خطابات الغرب وإمكانات الكلام عن المرأة التابعة. وتوثق ذلك بأمثلة محددة من الهن
مَن هو التابع؟
كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي اسم التابع، في كتابه «رسائل السجن». ويمثّل التابع الفئات المُهمّشة، من الطبقات الفقيرة والأَدقع فقراً، بمختلف حِرفهم وأعمارهم ووجودهم الجغرافي في العاصمة والأقاليم.
كثرت الدراسات التي تتمحور حول “التابع” كمفهومٍ وممارسة، على السواد الأعظم من الشعب الهندي المُستغَل من الطبقات البرجوازية الهندية المُتعاونة مع الاحتلال البريطاني، والحاكمة بعد زواله.
مع بداية الثمانينيات، برز حقل دراسات التابع، من أشهر منظّريه المؤرخ الهندي، رانغيت غوها، ولحقه شهيد أمين، وغيانيندرا باندي، وسوميت ساركار، ودايفيد هادريمان، وبفضل تنظيرهم المبدئي، اهتم آخرون، وصدرت مجلة دراسات التابعين Subaltern Studies.
تنتقد غاياتري سبيفاك كاتبي التاريخ الهندي، سواء في الحقبة الاستعمارية البريطانية أو بعد الاستقلال، حيث تُنسب أي إنجازات ثقافية أو قومية إلى الإداريين والحكام البريطانيين، ومن بعدهم النخبة البرجوازية سواء الاقتصادية أو الثقافية، فيما وصفتهم سبيفاك بـ “المُخبرين المحليين”، في تهميش كبير لفئات من الشعب الهندي، دافعت عن استقلالها، أرضاً وثقافة. من ثم تنتقل لتحليل وتفكيك مدى الصمت الذي يلزَم هؤلاء التّابعين رجالاً ونساء، وما هي دوافعهم للخروج عن هذا الصمت والحديث والثورة، تستعين المؤلفة بالروسي فلاديمير لينين، وبتعريفه للوعي، إذ يقول «يرتبط الوعي بمعرفة العلاقات المتبادلة بين الطبقات والمجموعات المختلفة، أي معرفة الموارد التي تُشكّل المجتمع»، وهذا ما يساعد على فهم كيفية قياس مدى عدل الوضع القائم من عدمه، ومن ثمَّ كيفية الثورة عليه وتغييره.
التابع المؤنث
تشير الكاتبة أيضاً إلى مدى صمت النساء من الفئة التابعة، حيث ترصد سبيفاك أنّ تابعين ما بعد الاستعمار لا يملكون تاريخاً ولا يمكنهم الكلام، والتابع المؤنث في هذه الحالة، تكون أكثر وأعمق تهميشاً وصمتاً من التابع الذكر. وازدياداً على هذا البؤس تواجه التابع المؤنث في وقتٍ ما اضطهاداً آخر، كونها امرأة، يقمعها ويستفحل عليها ذكرها التابع. تؤكد سبيفاك دعمها للمرأة التابعة، وتؤكد على حقّها في الوعي، مثلها مثل الرجل، كما توضح أنّها عانت بما أنها امرأة من بُعدٍ استعماري من نظراتٍ دونية حول مدى وعيها بالمعرفة والثقافة. كما تتطرق إلى إشكالية المركزية واللامركزية: المركزية التي لها الحق في العلم والتحضّر والنهوض، بينما تواجه اللامركزية التهميش وكل ما هو أدنى وأقل. ولذلك، تتولّد مفاهيم قائمة على العنصرية والطبقية بين أهل هؤلاء وهؤلاء، ينتج عنها صَرع طبقي وأخلاقي، يكمن بداخله حقد واستحقار مُتبادل بين الشعب الواحد. ما يجعل الكثيرين من أهل اللامركزية ينزحون إلى المركزية، هروباً من التهميش، وبحثاً عن الانتماء، كذلك بحثاً عن الفرص الاقتصادية التي تساعدهم بشكلٍ أو بآخر على الترقي الاجتماعي والثقافي والمادي. تحذّر سبيفاك هؤلاء المهاجرين إلى المدينة أن يحافظوا على هويتهم وألا ينجروا وراء حيوات الاستهلاك التي لا تنتهي، والتي تعطي لهم الاعتراف الاجتماعي والسلطوي، كما يسمّيه أستاذ الاجتماع الألماني أكسيل هونيث «النضال من أجل الاعتراف».
تركّز سبيفاك أيضاً على نقد كل التعريفات التي تنتجها الأكاديميا الغربية والأمريكية بوصفها البلاد العربية والآسيوية والإفريقية بـ “الآخر”، وتسمّيه «عنف إمبريالي».
يقول الكاتب محمد يحي حسني إنه بالمجمل فإنّ المقال يمثّل نمطاً من جلب المجموعات التابعة إلى دائرة الضوء، وحيّز الكلام، بعد أن تولى غيرُها تمثيلَها. فمسألة تمثيل التابع عبر خطابات مقدّسة “دينية” أو عبر ثقافة ذكورية أو عبر المُستعمِر، أو حتى عبر خطابات معرفية نقدية تدّعي الانحياز إليه، تجعله مطموراً، وتجعل التساؤل عن إمكانية كلامه وجيهة، إذا استحضرنا ذلك القدر الهائل من القمع الممارس عليه. فسلب حق التمثيل هو أفظع ما يميز وضع التابع.
نستحضر مع سبيفاك نمطاً مخصوصاً من التبعية، ومن الوصاية على الذات والوعي والجسد كابدتها النسوة، وما تزال تكابدها، في سياقات وأزمنة ثقافية مختلفة.
طقس حرق النساء بعد موت أزواجهن، المعروف بـ”ساتي” في الهند، وانتحار فتاة الخامسة عشر بسبب فكرة الإرغام على الزواج ممن لا تريد، مثالان يقدمان صورتين للتابع: صورة الإخضاع والتبعية التامة، التي تغذيها وتبررها المرجعية الدينية المقدّسة والثقافة الذكورية، باعتبار المرأة ملكاً للرجل، وصورة التصفية الجسدية أو الكلام بالانتحار.
بالنسبة لطقس الساتي فإن المرأة في هذا الطقس تبرز كتابع مغيب الإرادة والوعي. فهي لا تملك من أمرها شيئاً، لا تملك حق الاستفسار ولا حق الاعتراض، بل إنها مدفوعة بثقل التقاليد وبسطوة النصوص الدينية وعنفها الرمزي، تعتبر الطقس خلاصاً لها ووفاء منها لزوجها الميت.
سنة ١٩٢٩ قامت السلطات الاستعمارية البريطانية بتجريم طقس الساتي وأرغمت الهنود على التخلي عنه، لكن المفارقة التي تكشّفت عن ذلك القرار، تمثّلت في تعرض أصوات النساء لمصادرة مزدوجة واختطاف جديد، جعلهن ضحايا مرة أخرى. فالمستعمِر البريطاني الأبيض استغل المنع للادعاء بأنه من حرّر المرأة ومنحها حق الحياة، في نفس الوقت الذي أبقى على تمثيلها كذات مضطهدة مستلبة الوعي.
