كيف ينظر علم الاقتصاد للحاجة؟

من المهم ملاحظة أنّ الفرد حريص كل الحرص على تلبية احتياجاته وتحقيق غاياته بأقرب وأقصر الطرق، وإن كان فقدان الشيء والحاجة إليه يُحدث ألماً في النفس، فإنّ الحصول على هذا الشيء وتلبية حاجة الإنسان يورث اللذة والارتياح. ويشعر الإنسان الذي يعيش في مجتمع ما وفي مرحلة معينة من التطور التاريخي بحاجته إلى أشياء مختلفة. فهو يحتاج إلى المأكل والملبس والمأوى، وأشياء عديدة أخرى. وبعض هذه الحاجات طبيعي وضروري، ولابد من إشباعها للمحافظة على الحياة، أما بعضها الآخر فينشأ عن حقيقة كون الناس يعيشون بشكل جماعي، أي في “المجتمع”، وتقرره مجموعة من العوامل المعقدة التي تُكون ما يسمى “الثقافة” لمجتمع معين. وقد تكون حاجات الإنسان فردية “Individual” أو “Collective” جماعية. [1]

بالبداية تعرف الحاجة بكونها الشعور بضرورة الحصول على شيء ما غير متاح، والاحتياج هو المحور الذي تدور عليه جميع الأمور الاقتصادية، وبسببه يقوم الإنسان بالعمل والإنتاج، والشعور بالحاجة ليس مختصاً بالإنسان وحده بل إنه يشمل كل ذي حياة في هذا العالم كالنبات والحيوان، والحاجات البشرية متنوعة لدرجة يصعب حصرها، ومع ذلك يمكن تصنيفها حسب موقعها من تلبية الطباع البشرية إلى حاجات مادية وحاجات أدبية (فكرية) [2]، وبالتالي الحاجة تشكل الرغبة لإشباع ما هو ضروري للإنسان. والضرورة هي نتاج الشهوة، و رغبات الإنسان عديدة، و هي مختلفة لا تنتهي بحد معين، و كلما كثرت الرغبات، زادت الحاجات التي تتفق معها، و تعدد الشهوات مرتبط  بكمية محدودة من السلع و الخدمات الكافية لسد الحاجات، و بالمثل تقل الحاجة لأنها تحصل على قدر معين من الإشباع، و يلاحظ أن الاحتياجات الفسيولوجية المرتبطة بالجسم، مثل الحاجة إلى الأكل و الشرب ، لا تنتهي، و إذا أمكن إشباعها في وقت معين، يتم تجديدها بعد وقت معين، يعتمد التشبع على الدرجات، و هناك احتياجات يتم إشباعها مرة واحدة في العمر، مثل التحصين ضد الأمراض، و هناك احتياجات مشبعة في فترة معينة من العمر تطول أو تقصر، مثل التعليم، و الرضا يختلف من مرحلة من الحياة إلى مرحلة أخرى.

كما أنّ نظام الحاجات من الأنظمة الملازمة للوجود الإنساني، إذ أنّ الإنسان في مختلف أطواره وأدواره لا يمكنه أن يستغني عن نظام الحاجات، وذلك لإشباع رغباته وسد حاجاته ومتطلباته. ولا يمكننا أن نتصور كائناً بشرياً لا يتواصل مع هذا النظام، ولكن التمايز البشري يكمن في طبيعة التعامل مع هذا النظام، وسبل توفير الحاجيات والضروريات بالنسبة إلى الإنسان الفرد والجماعة. إذ أن الإنسان ككائن حي، تتوفر لديه بيولوجياً ومعاشياً واقتصادياً بعض الحاجيات والضرورات التي يعتبر توفيرها وإشباعها ضمن الأطر المشروعة والمعقولة سبباً أساسياً لبقاء الإنسان على وجه الأرض. وتمتلك الحاجات الإنسانية عموماً العديد من الخصائص المتمثلة بقابليتها للتغير إذ تتطور مع تطور الإنسان وتنمو، كما تزداد قابليتها للاستبدال إذ يتمكن الإنسان من استبدال سلعة بأخرى أو يستعيض عنها بسلعة بديلة تؤدي نفس الخدمة أو الغرض، ويمتد ذلك إلى علاقة الحاجات ببعضها بصورة متكاملة، فالحاجة إلى شيء تقود إلى الحاجة إلى أشياء أخرى، وينسحب على قابليتها للإشباع. وتبرز بشكل كبير في حاجات الإنسان الفطرية من طعام وماء ولباس، لكن الحاجة للنقود تبقى غير محددة بسبب قوتها الشرائية التي تمكّن الإنسان من الحصول على حاجات عديدة بواسطتها، وتزداد حاجته إليها كلما ترقت وتقدمت حضارته وتنوعت واتسعت طموحاته.[3]

توضح هذه الخصائص السابقة مدى عمق ارتباط الحاجات بالإنسان لأنها ملازمة لوجوده، ولا تزول إلا بزواله لأن الحاجات الإنسانية هي جزء من الشأن الإنساني ـ الاجتماعي، الذي يتناول جميع وجوه النشاط المادي والنفسي، لهذا فإنه مهما كان نوع التنظيم الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي يمارسه الإنسان في أي مجتمع، فإنّ ذلك لا يتنافى مع سعي الإنسان الحثيث للعمل والإنتاج لتلبية حاجاته بشتى الطرق والأساليب إذ أنّ ما يميز بين أنواع الحاجات ليس طبيعة الحاجة، بل وسيلة إشباعها.

تختلف الحاجات في أهميتها وفي حدّتها، كما تختلف بحسب الزمان والمكان والأشخاص وللحاجات صفة اللامحدودية.[4] ومن الصعب تقسيم الحاجات إلى أصناف محدودة بسبب كثرة عددها وتنوعها، ولكن من الممكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي:

الحاجات الضرورية: لا يمكن الاستغناء عنها وتظهر هذه الحاجة للغذاء والملبس والمسكن لدى الإنسان البدائي وكذلك الإنسان في أكثر المجتمعات تقدماً ومدنية واختلافاً. والحاجات الثانوية: منها ما هو كمالي كالسياحة ومشاهدة المسرح والقراءة والثقافة وتظهر بصورة متفاوتة أو على درجات وهذا مرتبط بتطور الإنسان وعلاقاته مع بقية الأفراد وتبدل الأوضاع المحيطة به، وبكلمة أخرى نستطيع القول إن مجال هذه المجموعة من الحاجات ونوعها يكونان مرتبطين بالمستوى الثقافي للمجتمع ويمكن تسميتها حاجات ثقافية ومن السهل هنا ملاحظة أنه كلما ارتفع المستوى الثقافي لمجتمع معين ازداد حجم هذا النوع من الحاجيات، وأخيراً حاجات الترف. 

يساعد فهم الحاجة على فهم ما يدفع الناس للتصرف واتخاذ القرارات، بداية من الاحتياجات الأساسية التي تشكل جوهر البقاء وصولاً إلى الاحتياجات الأكثر تعقيداً التي يسعى من خلالها الأفراد إلى تحقيق الذات والتي تختلف بحسب البنية والعمر والزمان والمكان[5]، وما تحمله الطبيعة البيولوجية في مجتمع ما التي أدت إلى ظهور الحاجات الجماعية نتيجة للحياة المشتركة التي يعيشها الناس في المجتمعات.

المصادر والمراجع :

[1] أوسكار لانكه، الاقتصاد السياسي، الجزء الأول، تعريب د. محمد سلمان حسن، دار الطليعة، بيروت 1967، ص63-64.

[2] أنظر: عارف الخطيب، علم الاقتصاد، مطبعة الحكومة، دمشق 1931، ص18.

[3] https://www.alriyadh.com/31671  

[4] أنظر: د. حافظ يقضان بو حمدان، مبادئ علم الاقتصاد السياسي (الاجتماعي)، دار يقظان للدراسات العلمية، 1983، ص45. 

[5] عبد القادر العظم، علم الاقتصاد، مطبعة الجامعة السورية، دمشق 1931، ص18.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *