سورية ليست موقعاً جغرافياً


تجول في مخيلتي دائماً الكثير من الأفكار، وتُطرح الأسئلة الغريبة وأحياناً الساذجة، يا هل ترى كيف يرانا العالم نحن السوريون والسوريات؟
لم تكن هناك إجابة إنما صورة، لخريطة سورية مُغلفة بالقضبان الحديدية وأننا نجوب داخلها ونرقص وننحب ونتلوى ونفرح.
في الحقيقة لم تأتي الصورة عن عبث، ببساطة قد أتت من السلوك أو النمطية أو النظرة التي يرانا بها العالم، والأهم طريقة التعاطي معنا، فمنهم من يعاملنا على أننا إحدى شعوب الشرق الأوسط المنكوبة والتي دائماً يجب مراعاتها ولابد من أجل الحديث معها من إسدال الجفون، ومنهم من يعاملنا على أننا الشعب الجبار الذي تجاوز الحروب ومرارتها وتقدم بإصرار وتحدى كل الظروف ليجري اتصالاً عبر الإنترنت دون انقطاع ولازمة هذا الحديث تتوجب رفع الحاجبين والاندهاش.
ومنهم أيضاً من يعاملنا على حسب الخريطة الجغرافية ولازمة هذه المعاملة هي الأسئلة المناطقية والطائفية وكأنه المتحذلق الذي يعرف التوزع الديموغرافي ويلقي بأسئلته في منطقتها الجغرافية المناسبة ويحقق الهدف المنشود عندما يقول “نعود لكِ، ما هي الأوضاع في جنوب سورية وتحديداً في السويداء؟”.

في الواقع تزعجني كثيراً صورة الخريطة وكأن سورية هي فقط حدود جغرافية، وكثيراً ما رفضت في أعماقي صورة الخريطة وأننا قد نختصر بالتضاريس أو موقع أو حاجز أو جبال وحتى الحدود البحرية تزعجني.
لم أرغب بالاعتياد على فكرة الحدود.

في الحقيقة هناك العديد من طرق التعامل مع السوريين والسوريات. بالنسبة لي لم أكن آبه بأي طريقة منها باستثناء المتهكمة التي تحمل اتهامات بالرجعية والتخلف وصورة العالم الثالث، والتي لطالما جبرتني للرد الحاد.
وصراحة ما زلت لا آبه بأي من الصورة النمطية المناطقية اتجاهي كسورية، لكن هذا لا يمنع التساؤلات في رأسي المشوش بين الحين والآخر، والتي بدأت تتغير صورة الإجابة عنها تدريجياً بعد سقوط الديكتاتور، إذ أن مخيلتي نفسها قد أزالت القضبان عن خريطة سورية وداخلياً قد أزالت الحواجز مما دفعني للتحقق من ذلك والذهاب لعدة مدن كان يصعب علي الذهاب إليها من قبل، فقد زرت درعا بعد انقطاع دام ستة عشر عاماً وتجولت فيها ومتعت ناظري بسهولها ومن شدة فرحي قد اندهشت لمجرد رؤيتي للفلاحين والفلاحات في الأراضي.
أمضيت عدة ساعات وغادرت درعا و لكن على ما يبدو لم أستدرك الأمر: أنني لم أرَ وقتها أي حاجز ولم أقف عنده
فقررت الذهاب إلى حمص حيث لابد أن أدرك هناك كل الحقائق وخصوصاً وأنني لم أزرها قط وأنني قد مررت بها من عشرات السنين بسرعة ولم تُطبع في ذاكرتي وأنها بقيت إحدى حسراتي وقد فُرض عليّ أن أعتبرها خارج الحدود ويصعب الوصول إليها.
وصلت للعديّة وركضت في شوارعها وطفت حول ساحة الساعة كما الطفلة، وما أزال بعد غير مدركة لمعنى أنه لم يعد هناك حواجز أو تقسيمات تمنع دخولي لأي مكان. أخذتُ أمشي وأجوب في شوارع وأحياء حمص إلى أن وصلت لحي البياضة وهنا توقف الزمن وبدأ صوت يتردد في رأسي ويقول: “الشعب يريد إسقاط النظام”، هنا وفي هذا المكان وذاك التوقيت حينها أدركت…
أدركت أن الحواجز قد اختفت.
أدركت أن حمص تبعد ثلاث ساعات ونصف عن منزلي.
أدركت أنني نلت حريتي كما كل السوريات والسوريين.
أدركت أن الشعب أسقط النظام.
وفي الحقيقة أيقنت أن سورية ليست موقعاً جغرافياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *