مفهوم النزاع:
يزخر حقل النزاعات الدولية بالعديد من المصطلحات التي تصف الحالات النزاعية في العلاقات الدولية. لذلك نجد بعض الباحثين يستعملون مثلاً مصطلح “النزاع” لوصف ظاهرةٍ نزاعيةٍ معينة، في حين يصف البعض الآخر الظاهرة نفسها بالأزمة أو الحرب أو التوتر، وذلك دون أي انتباهٍ لمدلول هذه المصطلحات، مما يؤدي أحياناً لحدوث التباس.
يعبّر النزاع عن حالة التعارض الموجودة بين الأطراف في الأهداف والمصالح. فيعرَّف عندئذٍ على أنه وضعٌ تكون فيه مجموعة معينة من الأفراد – سواء قبيلة أو مجموعة عرقية أو لغوية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو أي شيء آخر- تنخرط في تعارضٍ واعٍ مع مجموعةٍ أو مجموعاتٍ أخرى معينة لأن كل هذه المجموعات تسعى لتحقيق أهدافٍ متناقضةٍ فعلاً أو تبدو أنها كذلك.
كذلك اعتبر بعض المفكرين أنّ عملية الصراع هي ظاهرةٌ ديناميكيةٌ، وهي وضعٌ يحاول فيه طرفان على الأقل وممثلوهما تحقيق أهدافٍٍ غير متفقٍ عليها ضمن إطار مفاهيمهم ومعتقداتهم من خلال إضعاف -بشكل مباشر أو غير مباشر- قدرات الآخر على تحقيق أهدافه.
كما يعتبر لويس كوزر، وهو عالم اجتماعٍ بارز اشتهر بتحليل النزاعات الاجتماعية، أنّ النزاع هو صراعٌ على منفعةٍ معينةٍ أو على سلطةٍ أو على موارد نادرةٍ أو ادعاءات على حالةٍ معينة، إذ إنَّ أهداف الأطراف المتنازعة ليست فقط الحصول على المنفعة الموجودة بل تتعداها إلى تحييد الأضرار أو التخلص من المنافس الآخر.
ولقد عمل كل مفكرٍ على تصنيف النزاع من خلال منظورٍ أو زاويةٍ معينة:
فقد اعتبر مارسيل ميرل، وهو أحد أبرز أساتذة العلاقات الدولية بجامعة باريس (السوربون)، أن النزاعات أو الأزمات تصنف إلى ثلاثة أنماط، تبعاً لطبيعة موضوع الصراع:
- محاولة الحصول على الاستقلال: ويدخل في هذا التصنيف حروب تصفية الاستعمار والحروب الانفصالية (بنجلاديش _ بيافرا…).
- الرغبة في السيطرة على الحيِّز: تعديل الحدود أو التوسع الإقليمي على حساب الدول المجاورة (الجزائر والمغرب _ إثيوبيا والصومال…).
- محاولة فريقٍ أو عصبةٍ الاستيلاء على السلطة ليتمكنوا بواسطتها من فرض إرادتهم على خصومهم: وتدخل في هذا الإطار معظم الحروب الأهلية والانقلابات، وهي ما يسميها مارسيل ميرل بالأزمات الإيديولوجية.
كما تصنف النزاعات إلى نزاعاتٍ متماثلة، والتي تتشابه فيها أطراف النزاع Symmetric conflicts ونزاعاتٍ غير متماثلة Asymmetric conflict والتي تنشب بين أطراف غير متماثلة كالصراع بين أغلبيةٍ وأقلية، أو الصراع بين حكومةٍ وجماعةٍ من المتمردين.
النزاع والمفاهيم المتقاربة:
بعد تعريف النزاع يمكننا التمييز بينه وبين المفاهيم الأخرى؛ وهي التوتر، الأزمة والحرب. وذلك من خلال تعريفها وتحديد أهم الفروق بينها وبين النزاع:
- التوتر: يعود التوتر Tensions إلى مجموعةٍ من المواقف والميول نتيجة الشك وعدم الثقة. والتوتر حسب مارسيل ميرل هو مواقف صراعية لا تؤدي مرحلياً على الأقل إلى اللجوء إلى القوات المسلحة، إنما يعود إلى ميل الأطراف لاستخدام أو إظهار سلوك الصراع. فالتوتر إذن ليس كالنزاع، لأن هذا الأخير يشير إلى تعارضٍ فعليٍّ وصريحٍ وجهودٍ متبادلة بين الأطراف للتّأثير على بعضهم البعض. في حين لا يعدو التوتر أن يكون حالة عداءٍ وتخوّفٍ وشكوكٍ وتصوّر بتباين المصالح، وعلى هذا يعدُّ التوتر مرحلةً سابقةً للنزاع وكثيراً ما ترتبط أسبابه ارتباطاً وثيقاً بأسباب النزاع.
- الأزمة: لقد ركز الباحثون – في تحديدهم لمفهوم الأزمة – على عددٍ من الخصائص التي تميّزها عن غيرها من الصور التي توصَفُ بها العلاقات النزاعية بين الدول. ومن بين هذه الخصائص: (المفاجأة، فالأزمة غير متوقعة، تعقّدٌ وتشابكٌ وتداخل في عناصر الأزمة وأسبابها وكذلك تعدد الأطراف والقوى المؤثرة في حدوث الأزمة وتطورها، نقصٌ وعدم دقةٍ في المعلومات، قصرُ أو ضيقُ الوقت المتاح لمواجهة الأزمة).
فالأزمة هي تحوّلٌ فجائيٌّ في السلوك المعتاد، بمعنى تداعي سلسلةٍ من التفاعلات يترتب عليها نشوب موقفٍ مفاجئ ينطوي على تهديدٍ مباشرٍ للقيم، أو المصالح الجوهرية للدولة، مما يستلزم ضرورة اتخاذ قرارات سريعة في وقتٍ ضيق وفي ظروف عدم التأكد وذلك حتى لا تنفجر الأزمة في شكل صدامٍ عسكريّ أو مواجهة.
- الحرب: ارتبط مفهوم الحرب باستعمال العنف، ولهذا جاءت في أغلب التعاريف على أنها عنفٌ منظّم باستعمال القوات المسلحة. ويرى غاستون بوتول، وهو عالم اجتماعٍ فرنسيٍّ بارزٍ اشتهر بدراساته حول الحرب والعنف، بأن “الحرب صراعٌ مسلّحٌ ودمويٌّ بين جماعاتٍ منظّمة”. ويشير إلى أنَّ “الحرب هي صورةٌ من صور العنف… وتتميَّز بكونها داميةً، إذ إنَّه عندما لا تؤدِّي الحرب إلى تدمير حيواتٍ بشرية لا تعدو أن تكون صراعاً أو تبادل تهديدات”. ويرى ريمون أرون أن “الحرب هي الأساليب العنيفة للتنافس بين الوحدات السياسية”.
وعموماً تمثل الحرب، التوتر والأزمة مراحل متقدمة أو متأخرة للنزاع، تتفاوت من حيث درجة خطورتها وتهديدها للسلم والأمن الدوليين. فالنزاع يبدأ أول الأمر بالتوتر، ثم ينتقل إلى مرحلة الأزمة الطويلة أو قصيرة المدى، والتي قد تقود إلى حربٍ محدودة ثمَّ شاملة.
وفي العودة لتوضيح مفهوم النزاع، فإنّ مراحل النزاع قُسّمت بحسب برنامج جامعة ليدن إلى خمسة مراحل، تمثّل الأولى أوضاع سلميَّة مستقرَّة. فيما تتصاعد مستويات الضغوط والانقسامات السياسية والاجتماعية في المرحلة الثانية للنزاع وهي مرحلة الأوضاع المضطربة سياسياً.
ويتحول التوتر الذي يميز المرحلة الثانية إلى أزمةٍ سياسيةٍ ترتبط أساساً بانهيار الشرعية السياسية للحكومة الموجودة، وانتشار العنف، وهنا نكون بصدد مرحلة النزاع السياسي العنيف، وفيها يتجاوز عدد القتلى مئة قتيلٍ في السنة.
ثم تأتي بعد ذلك مرحلة النزاع المنخفض الحدة، ولعل أهم ما تتميز به هذه المرحلة هو العداء المفتوح والصراع المسلح بين الفصائل، ويقاس هذا النزاع عادة بعدد القتلى الذي يتراوح ما بين 100 و1000 قتيلٍ في السنة. أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة النزاع الشديد الحدة، وتتسم بوجود حربٍ معلنةٍ ودمارٍ شاملٍ ونزوح عددٍ كبيرٍ من السكان المدنيين، وعدد القتلى فيها يتجاوز 1000 قتيلٍ في السنة.
