العوامل المؤثرة بالنزاع:
تنفرد ظاهرة النزاع عن غيرها من ظواهر العلاقات الدولية بأنها ظاهرة ديناميكية متناهية التعقيد. ويرجع ذلك إلى تعدد أبعادها وتداخل مسبباتها ومصادرها وتشابك تفاعلاتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة وتفاوت المستويات التي تحدث عندها، وذلك من حيث المدى أو الكثافة أو العنف. وتؤثر في النزاع عدة عوامل على المستويين الداخلي والخارجي ويقصد بالعوامل مجمل الشروط التي تتحكم في كافة أشكال التبادل بين الفاعلين. أو هي تلك العناصر المشكلة لبيئة النظام، وهي مصدر التدفقات التي تؤثر على مجمل الفاعلين الذين يدخلون في إطار هذا النظام.
هذه العوامل أطلق عليها ستانلي هوفمان – وهو أستاذ وعالم سياسي بارز اشتهر بتحليلاته العميقة في العلاقات الدولية والنزاعات – مصطلح “المحيط الدولي” أو “الإطار” الذي يلخّص في رأيه الوضع الداخلي والوسط الخارجي. فظاهرة النزاع، كغيرها من الظواهر السياسية، تخضع في دراستها لثلاثة مستويات من التحليل، وذلك على النحو التالي:
- الإطار المحلي للظاهرة: الذي تنبع منه الظاهرة أو تقع في إطاره. ويشكل البيئة الداخلية لها، وهو بالغ الأهمية في فهم أية ظاهرة سياسية
- الإطار الإقليمي للظاهرة: الذي ينتسب إليه الإطار المحلي ويؤثر فيه بدرجات متفاوتة، وقد يكون بالغ الأهمية ويفوق الأول في تأثيره على بعض الظواهر السياسية، وهو ما يعرف بالبيئة الإقليمية.
- الإطار العالمي للظاهرة: وهو الإطار الكلي الذي تحدث أو من المفترض أن تحدث في ظله الظاهرة السياسية، وأحياناً يكون هو الفاعل الأساسي، أما البقية فأهميتها أقل.
العوامل الداخلية: يوجد العديد من العوامل الداخلية التي تؤثر في احتمال الحرب أو السلام، من بينها: العامل الجغرافي، العامل الديمغرافي، العامل الاقتصادي، العوامل الفردية، العوامل السياسية، وغيرها من العوامل الأخرى، مع الإشارة إلى عدم وجود ترتيب معين لهذه العوامل وإنما تتفاوت في تأثيرها من دولة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى.
العوامل الخارجية: وتشمل كل عناصر البيئة الدولية التي تقع خارج حدود الدولة، وتتضمن طبيعة النسق الدولي الذي تتفاعل فيه الوحدات السياسية وسلوك الوحدات الدولية الأخرى سواء كانت دولاً أو منظمات دولية أو شركات اقتصادية أو تجارية. وبمعنى آخر، فهي تضم كل تفاعلات عناصر البيئة الدولية وأوضاعها والتغيرات التي تطرأ عليها.
وتنقسم العوامل الخارجية إلى العوامل الإقليمية والعوامل الدولية. فعلى المستوى الإقليمي يمكن أن يكون التجاور بين الأطراف عاملاً مهما في الصراعات وفي إمكان حلها. فقد يكون التجاور سبباً في نزاعٍ ما، كما في نزاعات المصادر أو الحدود. فوفقاً للمختصين بالنزاعات الدولية، هناك عدة عوامل تزيد من احتمال وقوع حرب بين أي دولتين وهي التجاور (أي وجود حدود مشتركة)، أو التقارب (مثل وجود مسطح مائي بينهما)، ومستوى التنمية الاقتصادية فيهما (أي أن إحداهما على الأقل غير متقدمة اقتصادياً)، والتوازن في قدراتهما مع صعود قوة إحداهما وتراجع قوة الأخرى (أي أنهما في دورة القوة وقد يتبادلان موقعيهما فيهما).
أما على المستوى الدولي، فإنّ السمات المختلفة للنظام الدولي، وكذلك بنية النظام وطريقة توزيع القوى فيه في مرحلة معينة تؤثر كلها في سلوكيات الوحدات أعضاء النظام. فلقد لخص جون فاسكيز – وهو عالم سياسي معروف بعمله في مجال دراسة النزاعات الدولية – خصائص النظام الدولي المساعدة على انتشار الصراعات الدولية، معتبراً أنّ الدول الأقوى في النظام هي الأميل لخوض الحروب، فحين يتغير ميزان القدرات العسكرية سريعاً بين الدول الكبرى المتعادية حتى تقترب من درجة التعادل، يزداد احتمال انجرارها إلى حرب.
أما إذا اتفقت الدول الكبرى على قواعد اللعبة السياسية والأعراف الدولية بما يحد من قدراتها على التصرف منفردة، يقل نزوعها لخوض حروب ضد بعضها البعض.
ولقد اختلف الباحثون حول النظام الأكثر تسبباً في النزاع. فقد اعتبر كارل دويتش – وهو عالم سياسي واجتماعي، اشتهر بأفكاره حول الأنظمة الدولية – أنه كلما ابتعد النظام عن القطبية الثنائية في اتجاه التعددية، فإنه من المتوقع أن يتلاشى تكرار اللجوء إلى الحرب.
وعلى خلاف ذلك اعتبر كينيث والتز – وهو أحد أبرز مؤسسي نظرية الواقعية البنيوية – أنّ النظام الثنائي القطبية هو الأكثر استقراراً والأقل نزاعات. ولقد اعتبر بعض المفكرين أن نظام القطب الواحد، مع ضعف ذلك القطب وتراجع قوته ومكانته، وتذبذب ترتيب القوى في النظام الدولي، وزيادة طول الحدود الدولية يزيد من احتمال وقوع حرب دولية.
أنواع النزاع:
تتجلى النزاعات في أشكال وأنواع متعددة. يمكن تصنيف النزاعات بشكل رئيسي إلى نوعين أساسيين: النزاعات الدولية والنزاعات غير الدولية، ولكل منهما خصائصه.
- النزاعات الدولية هي تلك التي تنشأ بين دولتين أو أكثر، وتكون غالباً مدفوعة بقضايا سياسية، اقتصادية، أو عسكرية. وقد تأخذ هذه النزاعات شكل نزاعات مباشرة، إذ تتواجه الدول بشكل صريح كما في الحروب الكبرى كالحرب العالمية الثانية، أو تكون غير مباشرة في شكل حروب بالوكالة، إذ تدعم الدول جهات غير حكومية لتحقيق مصالحها، مثلما حدث خلال الحرب الباردة. تخضع النزاعات الدولية للقانون الدولي، الذي ينظم العلاقات بين الدول ويمنع استخدام القوة إلا في حالات معينة مثل الدفاع عن النفس. وفي هذه النزاعات، تلعب المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والتحالفات العسكرية مثل حلف الناتو دوراً أساسياً في الوساطة أو التدخل.
- على الجانب الآخر، تحدث النزاعات غير الدولية داخل حدود دولة واحدة، وتُعدّ أكثر تعقيداً لتشابك الأطراف الداخلية والمصالح المحلية. تشمل هذه النزاعات صراعات بين الحكومة والمجموعات المسلحة، كما هو الحال في الحروب الأهلية مثل سوريا، أو نزاعات بين جماعات متناحرة لأسباب عرقية أو دينية كما في دارفور في السودان. قد تكون هذه النزاعات محصورة داخل الدولة، لكنها أحياناً تأخذ أبعاداً إقليمية أو دولية نتيجة التدخلات الخارجية. ويُعنى القانون الدولي الإنساني، خاصة البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف، بوضع قواعد لحماية المدنيين وتنظيم الأعمال القتالية في هذه النزاعات، رغم التحديات في التطبيق.
وبين هذين النوعين، تتضح الفروقات في الأطراف المشاركة والإطار القانوني الحاكم والتأثيرات الناتجة. تمتاز النزاعات الدولية بوجود دول ومنظمات دولية كأطراف رئيسية، بينما تتميز النزاعات غير الدولية بطبيعتها الداخلية والمشاركة الفاعلة لجماعات محلية. وكل من النوعين له تأثيره العميق على الأفراد والمجتمعات، مما يجعل فهمهما وتحليلهما أساسياً لأي محاولة لتسويتهما أو إدارتها.
النزاع ونظريات العلاقات الدولية:
النظرية الواقعية: ترى الواقعية أن التنافس والنزاعات بين الدول هي سمة طبيعية ودائمة في العلاقات الدولية، وتفصل الواقعية بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية. وهنا يقول كيسنجر إنّ “السياسة الخارجية تبدأ حينما تنتهي السياسة الداخلية”. وهذا يعني أن التزام دولة ما بالمبادئ الأخلاقية على الصعيد الداخلي لا يعني التزامها بالضرورة بهذه المبادئ على الصعيد الدولي. فالدول في سلوكياتها الخارجية تأخذ المبادئ الأخلاقية والقانون الدولي بعين الاعتبار فقط عندما يكون هناك توافق بينها وبين مصالحها القومية.
وتفسر المدرسة الواقعية الحرب أو النزاع من خلال البيئة الفوضوية التي تعيش فيها الدول. ففي ظل غياب حكومة عالمية تقوم بحل الخلافات، كل دولة يجب أن تعتمد على إمكانياتها الخاصة لحماية مصالحها القومية وتحقيق الأمن. فالدول تسعى لتعزيز أمنها من خلال زيادة قوتها أو التقليل من الشعور بالخطر من تهديدات الدول الأخرى. ولأن الدول الأخرى هي أيضاً تبحث عن تحقيق أمنها بالطريقة نفسها، تكون نتيجة ذلك ما يسمى بمعضلة الأمن، وهذا المفهوم يصف المأزق الناتج عن البنية الفوضوية للنظام الدولي.
ولا يمكن القضاء على الحرب في هذا النظام، ففي أفضل الأحوال يمكن إدارة النزاعات للتقليل من الرغبة في الحرب. فالواقعية ترى أنه لا يوجد حل نهائي لمشكلة الحرب، وأن الطريقة الوحيدة للحفاظ على السلم هي تحقيق توازن القوى.
النظرية الليبرالية: هي نظرية سلمية تؤمن بحل النزاعات سلمياً واعتماد الحجة والإقناع بدل اللجوء إلى العنف واستعمال القوة. وإذا كانت القوة هي التي تحكم علاقات الدول حسب الواقعيين، وأن الدول – وهي الفاعل الأساسي في النظام الدولي – تسعى إلى البقاء والتوسع، فإن الليبرالية تعتبر الفرد هو القيمة العليا والهدف النهائي، والدولة ليست سوى وسيلة لتأمين حقوق الأفراد.
ويؤكد الليبراليون على ضرورة أن تسهم ثلاثة عوامل في التقارب بين الشعوب: التجارة، والديمقراطية، وعمليات المجتمعات الدولية المؤسساتية. ويعتبر بعض الليبراليين أنّ التجارة بإمكانها أن تخلق بيئة مشجعة للتعاون وزيادة الحوافز لدى الدول للتعاون أكثر من الصراع.
لقد افترض بعض الليبراليين – وتحديداً أصحاب نظرية السلام الديمقراطي – أنّ الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض، وأنها نادراً ما تلجأ إلى العنف لتحل مشاكلها. فالحرب حسب هؤلاء هي نتاج للتناقضات الفكرية والسياسية والحضارية. وأنّ تطبيق الشعوب للديمقراطية سوف يسمح لها بتخفيف هذه التناقضات، لأنّ الديمقراطية تتيح بطبيعتها مؤسسات مسؤولة تجعلها أكثر تقديراً للمجازفات، في حين أن الأنظمة الدكتاتورية هي بطبيعتها تضع أخطر القرارات -بما في ذلك قرارات الحرب – بين يدي فرد أو قلة عديمة المسؤولية.
النظرية البنائية: لقد ساهمت نهاية الحرب الباردة في إضفاء الشرعية على النظريات البنائية، لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث، كما أنهما وجدتا صعوبة في تفسيره. بينما تمتلك البنائية تفسيراً له، خصوصاً فيما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشوف في السياسة السوفييتية باعتناقه أفكاراً جديدة كالأمن المشترك.
وترفض البنائية الفصل بين البيئة الداخلية والدولية في تحليل سلوك الفواعل السياسية، ويظهر ذلك جلياً في رفضها المفهوم الكلاسيكي للمصلحة. فالمصلحة لم تعد – حسب البنائيين – تتحدد خارج السياق الاجتماعي للفواعل باعتبارها معطى مسبق تمليه بنية النظام الدولي الفوضوي، وإنما تنبع من طبيعة البناء القيمي والاجتماعي للوحدات السياسية. وعلى عكس الواقعيين الذين يعتبرون أن البنية الفوضوية للنظام الدولي هي التي تسبب النزاعات، فإن البنائيين يرون أن التصور الواقعي للفوضى لا يقدم لنا تفسيراً مناسباً لأسباب حدوث النزاعات الدولية. فالقضية الجديرة بالنقاش هي كيف يتم فهم هذه الفوضى… لأنّ الفوضى هي ما صنعته الدول وليست معطى مسبق.
