العلاقات التركية – الألمانية: تجاذبات سياسة النّد وتأثيرها على المشهد السوري

تلعب العلاقات الدولية دوراً محورياً في تشكيل موازين القوى السياسية والاقتصادية على الساحة العالمية، وتعتبر العلاقات التركية – الألمانية مثالاً بارزاً على تعقيد وترابط هذه العلاقات. بالنظر إلى دورهما المؤثر داخل حلف الناتو وفي إدارة الملفات الإقليمية، تتميز هذه العلاقة بطابعها الندي الذي يظهر جلياً في كيفية تعاطيهما مع القضايا الحساسة في الشرق الأوسط، وخاصة على الساحة السورية.

تمثل سوريا بعداً خاصاً يعكس المصالح المتباينة والسياسات الخارجية لكلا البلدين. فبينما تسعى تركيا لتعزيز موقعها الإقليمي والتحكم في تداعيات الأزمة الأمنية واللاجئين، تتبنى ألمانيا نهجاً إنسانياً ودبلوماسياً يركز على المساعدات وإعادة الإعمار. هذا التقرير يهدف إلى تحليل العلاقة التركية-الألمانية وتجاذباتها السياسية، مع التركيز على سياسة كل منهما تجاه سوريا تحديداً بعد سقوط الأسد.

التجاذبات التركية الألمانية داخل الناتو:

على الرغم من شراكتهما الطويلة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشهد العلاقة بين تركيا وألمانيا تجاذبات مستمرة تعكس تباين الأولويات والسياسات بينهما. تلعب تركيا، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي واهتمامها بتحديات الأمن الإقليمي، دوراً حيوياً داخل الحلف. في المقابل، تركز ألمانيا على تعزيز الاستقرار والعمل الدبلوماسي المشترك، مما يخلق أرضية خصبة للخلافات في وجهات النظر.

التدخلات العسكرية التركية شمال سوريا، التي تهدف إلى إنشاء مناطق آمنة ومواجهة الجماعات الكردية المسلحة، تعتبر واحدة من أبرز نقاط التوتر، وسيتم التوسّع في ذلك لاحقاً في التقرير. إضافة إلى ذلك، جاء شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 ليعزز الخلافات، حيث أعربت ألمانيا عن قلقها من تأثير هذه الصفقة على وحدة الناتو وعلاقاته الداخلية.

وفي سياق آخر، شكلت أزمة اللاجئين محوراً حساساً في العلاقة بين الطرفين. تركيا، التي تستضيف الملايين من اللاجئين، استخدمت هذا الملف كوسيلة ضغط للحصول على دعم مالي وسياسي من أوروبا، وهو ما واجه ردود فعل متباينة من ألمانيا. علاوة على ذلك، تأتي الانتقادات الألمانية المستمرة لملفات حقوق الإنسان والديمقراطية في تركيا لتضيف طبقة جديدة من التوترات بين الجانبين.

المصالح المتضاربة في الشرق الأوسط:

تظهر المنافسة على النفوذ الإقليمي لكلا الطرفين جليّةً في الشرق الأوسط، فبعيداً عن سوريا، تتجلى التوترات في ملفات أخرى مثل العلاقات مع إيران. إذ تميل تركيا إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والدبلوماسية مع إيران، بينما تعتمد ألمانيا على سياسة أكثر حذراً تركز على كبح النفوذ الإيراني من خلال الاتفاق النووي ودعم الاستقرار الإقليمي.

إن هذا التباين في الاستراتيجيات جعل من الشرق الأوسط ساحة لتعكس فيها تركيا وألمانيا رؤاهما المختلفة، بين من يسعى إلى التأثير المباشر على الأرض، ومن يركز على الحلول الدبلوماسية والتنموية.

تأثير سياسة الطرفين على المشهد السوري:

تمثل سوريا واحدة من أبرز ساحات التجاذب السياسي بين تركيا وألمانيا، حيث تُظهر سياسات البلدين تبايناً واضحاً في المصالح والاستراتيجيات تجاه سوريا. بالنسبة لتركيا، تأتي سوريا في صميم اهتماماتها الأمنية، حيث تسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي من خلال تدخلاتها العسكرية المباشرة وإنشاء مناطق آمنة في شمال سوريا، بهدف مواجهة الجماعات الكردية المسلحة وتأمين حدودها.

ومن المهم عرض ملف قسد كأحد أبرز الجهات الفاعلة في الساحة السورية التي تعكس تباين السياسات التركية الألمانية، بالنسبة لتركيا، تعتبر قسد تهديداً لأمنها القومي بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف كمنظمة إرهابية من قبل تركيا. بناءً على ذلك، تبنت تركيا سياسة عدائية تجاه قسد، تضمنت عمليات عسكرية مثل “نبع السلام” و”غصن الزيتون” لإضعاف نفوذها وتقليص سيطرتها على المناطق الحدودية.

لم تكتفي هذه العمليات العسكرية بتقويض موقف قسد على الأرض، بل ساهمت أيضاً في إعادة رسم الخرائط السياسية والميدانية في سوريا ككل. تركيا ترى أن أي دعم لقسد، سواء كان عسكرياً أو دبلوماسياً، هو تهديد مباشر لسيادتها واستقرارها. وبالتالي، فإن التحركات الألمانية غالباً ما تتسبب في توترات بالعلاقات بين الطرفين، خاصة أن الأخيرة تنظر إلى قسد من زاوية مختلفة، حيث تقدم دعماً سياسياً وإنسانياً غير مباشر للمناطق التي تسيطر عليها قسد، خاصة في إطار مكافحة تنظيم داعش. إذ ترى ألمانيا أن قسد شريك فعّال في الحرب على الإرهاب، لكنها في الوقت ذاته تتحفظ على الانخراط المباشر في النزاعات مع تركيا بسبب حساسيات العلاقة الثنائية بينهما داخل الناتو.

ومن المهم التنويه على أن زيارة وزيرة الخارجية الألمانية إلى دمشق جاءت في وقت حساس، مع تزامن اضطرابات سياسية في إسطنبول، مما أثار العديد من التساؤلات حول الرسائل التي أرادت ألمانيا إيصالها عبر هذه الزيارة وكيف تسعى أن تبرز دورها في المنطقة وسط التوترات مع تركيا.

كما أن افتتاح ألمانيا لسفارتها في دمشق يُعد تحولاً ملحوظاً في سياستها تجاه سوريا، خاصة بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية. أتت هذه الخطوة لتمثل إعادة تقييم للموقف الألماني تجاه الحكومة السورية الجديدة، مما أثار ردود فعل متباينة بين الدول الأعضاء في الناتو، بما فيها تركيا. بينما ترى ألمانيا أن هذا التوجه يدعم جهود الاستقرار الإقليمي، قد تعتبره تركيا محاولة لتجاوز نفوذها في المنطقة.

إن التباين في السياسات التركية والألمانية تجاه قسد وحكومة دمشق يعكس الفجوة الكبيرة بين استراتيجيات البلدين في التعامل مع الساحة السورية. ورغم هذا التباين، تبقى العلاقة بين تركيا وألمانيا في سوريا انعكاساً لعلاقة ندية بعض الشيء بين البلدين، إذ يسعى كل طرف لتحقيق مصالحه الوطنية واستراتيجياته الإقليمية دون تنازل يُذكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *