ما تزال أحداث الثورة السورية التي بدأت عام 2011 تُشكّل إحدى أبرز التحديات القانونية والسياسية في العالم، إذ طرحت تساؤلات عميقة حول مدى فعالية القانون الدولي في التعامل مع أزمات كهذه. يهدف هذا التقرير إلى تحليل علاقة القانون الدولي بالثورة السورية من خلال استعراض محاوره الأساسية التي تُظهر جوانب التحدي والتقصير الدولي في التعامل مع الأزمة.
يبدأ التقرير بمناقشة مبدأ المسؤولية الدولية لحماية الشعوب، المعروف باسم “المسؤولية عن الحماية”، ودوره في ظل الثورة السورية، متتبعاً إلى أي مدى طُبِّق هذا المبدأ نظرياً وعملياً. كما يسلّط الضوء على قرارات مجلس الأمن المتعلقة بسوريا، بما في ذلك نقاط ضعفها وتأثيرها على أرض الواقع.
علاوة على ذلك، يناقش التقرير تأثير العقوبات الدولية الاقتصادية، مع التركيز على قانون قيصر وفعاليته في تغيير الديناميكيات السياسية والاقتصادية. وينتقل التقرير لتوضيح غياب الإدانة القضائية للنظام السوري، مما يُبرز الفجوات القانونية على المستوى الدولي، قبل أن يختم باستعراض الدور الذي لعبته المنظمات الدولية الإنسانية تحت مظلة القانون الدولي للتخفيف من معاناة الشعب السوري.
من خلال هذا التحليل، يسعى التقرير إلى تقديم قراءة شاملة تكشف الفجوات بين النصوص القانونية الدولية وتطبيقها العملي، كآلية ضغط تم ممارستها على نظام الأسد ومدى نجاحها وإخفاقها.
مبدأ المسؤولية الدولية لحماية الشعوب R2P
إنّ مبدأ المسؤولية الدولية لحماية الشعوب (R2P) يمثّل أحد المبادئ الجوهرية التي تم اعتمادها في قمة الأمم المتحدة العالمية عام 2005، بهدف حماية الشعوب من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. وقد أثار هذا المبدأ، مع اندلاع الثورة السورية، آمالاً في تدخل دولي لحماية المدنيين من الانتهاكات الجسيمة.
في عام 2015، طُرح هذا المبدأ بشكل واضح في إحدى جلسات مجلس الأمن كإطار قانوني للتعامل مع الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في سوريا من قبل نظام الأسد، خاصةً في ظل استخدام الأسلحة الكيميائية وتصاعد العنف. ومع ذلك، فإنّ تكرار استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل كل من روسيا والصين أعاق أي قرار يتعلق بتفعيل هذا المبدأ، مما عكس الانقسامات العميقة داخل المجلس حول الثورة السورية.
رغم هذا الإخفاق في تفعيل المبدأ بشكل عملي، فإن مجلس الأمن استمر في إصدار قرارات أخرى تهدف إلى الضغط على النظام السوري وتلبية الاحتياجات الإنسانية من جوانب مختلفة.
من الإدانة إلى العقوبات: قرارات مجلس الأمن في مواجهة النظام السوري
في ظل تصاعد الإجرام الأسدي في سوريا، تنوّعت استجابات مجلس الأمن لتتوافق مع المراحل المختلفة للثورة. في البداية، انطلقت القرارات بإدانة الانتهاكات والتأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار، كما هو الحال في القرار 2042 لعام 2012، الذي استهدف إيقاف التصعيد العسكري من خلال تنفيذ خطة النقاط الست.
مع تفاقم الأوضاع، ظهر التركيز على توثيق الجرائم والمراقبة الدولية عبر إنشاء بعثة الأمم المتحدة في القرار 2043 لعام 2012، مما وفر إطاراً لتنظيم وتحليل المعطيات الميدانية.
لاحقاً، دفعت التحديات المتزايدة، مثل استخدام الأسلحة الكيميائية، إلى إصدار قرارات مثل القرار 2118 لعام 2013، الذي لم يكتفِ بالإدانة، بل طالب بإزالة برنامج الأسلحة الكيميائية السوري المستخدم لقتل المدنيين تحت إشراف صارم.
مع استمرار التدهور الإنساني، تصاعد الضغط في القرار 2165 لعام 2014، الذي شدّد على أهمية إيصال المساعدات إلى ملايين المتضررين، مع الإدانة المستمرة للانتهاكات الواسعة من نظام الأسد. وفي الوقت نفسه، عكس القرار 2209 لعام 2015 الإصرار على توثيق استخدام المواد الكيميائية المحظورة، مسلطاً الضوء على استمرار الجرائم رغم الالتزامات الدولية.
تكشف هذه القرارات عن نهج تدريجي يعكس تحديات المجتمع الدولي في التعامل مع نظام معقد وصعب المراس. بدأت بالإدانة، وتطورت إلى محاولة فرض التزامات ملموسة، لكنها واجهت قيوداً في التنفيذ نتيجة التعقيدات السياسية واستخدام الفيتو داخل مجلس الأمن.
العقوبات الاقتصادية وقانون قيصر: آلية ضغط على النظام السوري
مع ظهور تسريبات “ملف قيصر” التي وثّقت الانتهاكات المروّعة داخل السجون السورية، اعتمد المجتمع الدولي نهجاً جديداً للضغط على نظام الأسد من خلال العقوبات الاقتصادية. إذ مثّل قانون قيصر، الذي تم اعتماده في عام 2019، تحولاً استراتيجياً، فركز على خنق الاقتصاد السوري وإجبار النظام على مراجعة سياساته عبر استهداف بنيته المالية.
تم تصميم هذا القانون ليشمل العقوبات على القطاعات الحيوية مثل النفط، الغاز، والبنية التحتية، مع فرض قيود على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع النظام السوري. هذه الإجراءات لم تهدف فقط إلى إضعاف قدرة النظام على تمويل عملياته العسكرية، بل أيضاً إلى زيادة الضغط الدولي لعزل النظام سياسياً واقتصادياً.
وعلى الرغم من أنّ العقوبات، بما في ذلك قانون قيصر، شكّلت أداة قوية للضغط، إلا أنها أثارت نقاشاً واسعاً حول تأثيرها على الوضع المعيشي للشعب السوري. إذ أدّت هذه العقوبات إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مما زاد من معاناة المدنيين ورفع من مستويات الفقر والبطالة.

على الصعيد الدولي، حظيت العقوبات بتأييد دولي واسع باعتبارها وسيلة فعالة للضغط على النظام، لكنها قوبلت بانتقادات من بعض الأطراف التي اعتبرت أنها تزيد من معاناة الشعب السوري دون تحقيق النتائج المرجوة.
غياب الإدانة القضائية ودور المنظمات الدولية تحت مظلة القانون الدولي
على الرغم من الفظائع الجسيمة التي ارتكبها نظام الأسد منذ اندلاع الثورة عام 2011، لم تتمكن المحاكم الدولية من توجيه إدانة قضائية مباشرة للنظام السوري. هذا الغياب القضائي يعود إلى عقبات قانونية ودبلوماسية عميقة. على الجانب القانوني، فإن سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، مما يحرم المحكمة الجنائية الدولية من ولاية قضائية تلقائية على الجرائم المرتكبة داخل الأراضي السورية. أما على الجانب الدبلوماسي، فقد شكل استخدام روسيا والصين المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن عائقاً رئيسياً أمام إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تعقيد السياق الدولي وتشابك الأطراف المتورطة في النزاع قد حال دون تحقيق توافق دولي لتوجيه اتهامات قضائية واضحة تدين نظام الأسد.
في ظل هذا الفراغ القضائي، برز دور المنظمات الدولية كقوة بديلة تحت مظلة القانون الدولي، تسعى إلى توثيق الانتهاكات وإدانة النظام السوري على الساحة الدولية. قامت “اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا” بإصدار تقارير دورية وثقت بشكل دقيق الجرائم التي ارتكبها النظام، بما في ذلك جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. وبالتزامن مع ذلك، لعب مجلس حقوق الإنسان دوراً محورياً، من خلال إنشاء لجان متخصصة لجمع الأدلة والتحقيق في الجرائم، وإصدار قرارات تهدف إلى تسليط الضوء على الانتهاكات.
إلى جانب هذه الجهود، ساعدت وكالات حقوق الإنسان الدولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” في رفع مستوى الوعي العالمي بما يحدث داخل سوريا، مما شكل ضغطاً مستمراً على المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف أكثر جدية تجاه الأزمة. كما ساهمت هذه المنظمات في تعزيز الجهود الإنسانية من خلال تقديم المساعدات وتسليط الضوء على معاناة المدنيين المتضررين. ورغم غياب الإدانة القضائية المباشرة، فإنّ هذه الجهود الجماعية تحت مظلة القانون الدولي مثّلت خطوة هامة في توثيق الانتهاكات، مما يوفر أساساً قوياً لأي مساءلة مستقبلية للنظام السوري.
المساعدات الدولية: بين الالتزامات الإنسانية والعوائق السياسية
استناداً إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، تتطلب الأزمات الإنسانية كالأزمة الإنسانية السورية استجابة دولية شاملة لتقديم المساعدات للمدنيين المتضررين. إذ لعب المجتمع الدولي دوراً بارزاً في محاولات تقديم المساعدات الإنسانية، معتمداً على آليات معترف بها قانونياً لتوفير الإغاثة لمن هم في أشد الحاجة.

إجراءات المساعدات الدولية وفق القانون الدولي: جاءت المساعدات بأشكال متعددة، منها الإمدادات الغذائية والطبية، والدعم الإيوائي للنازحين داخليًا وخارجيًا، بالإضافة إلى توفير مياه الشرب النظيفة. وكالات الأمم المتحدة مثل برنامج الأغذية العالمي ومفوضية اللاجئين قادت هذه الجهود، حيث أصدر مجلس الأمن قرارات مثل القرار 2165 لعام 2014.
دور النظام السوري في عرقلة المساعدات فبحسب القانون الدولي الإنساني، يجب ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، لكن النظام السوري لعب دوراً رئيسياً في عرقلة توزيع هذه المساعدات. ومن بين الممارسات التي اعتمدها:
- فرض السيطرة على الإمدادات: أصرّ النظام على أن تمرّ جميع المساعدات عبر مؤسساته، مما أتاح له التحكم في توزيعها، إذ استخدمها لتعزيز مكاسبه السياسية والعسكرية.
- إغلاق المعابر الإنسانية: ضغط النظام وحلفاؤه، خاصة عبر روسيا في مجلس الأمن، لتقليص عدد المعابر المسموح بها لإدخال المساعدات عبر الحدود، مما أعاق وصول الإغاثة للمناطق المحتاجة.
- تسييس المساعدات: استخدم النظام المساعدات كسلاح سياسي، إذ تم حرمان المناطق المعارضة من الدعم الإنساني، في حين وُجّهت معظم الإمدادات للمناطق الموالية له.
- الفساد والتلاعب: وثقت تقارير دولية حالات استغلال المساعدات لصالح النظام، إما بتحويلها لتمويل عملياته العسكرية أو إعادة بيعها في السوق السوداء.

تبقى الطريق طويلة لتحقيق سلام مستدام في سوريا، إذ أنّ النظام القانوني الدولي بقي دوره منقوصاً، لأنه يواجه تحديات كبرى تستدعي إصلاحات جذرية لضمان الفاعلية والإنصاف. ومع ذلك، فإنّ الثورة السورية تظل شاهداً حياً على أهمية التوثيق والمساءلة كركيزة لأي عدالة مستقبلية، وعلى دور المجتمع الدولي في دعم الشعوب التي تناضل من أجل الكرامة والحرية
To access the English version, click here:
