الشباب السوري مُستبعَد من المشهد

عهدٌ يسوده قمعٌ للحريات وترحيلٌ من الوطن وعهدٌ فيه استبعادٌ وإيقافٌ للمؤسسات التنموية، وبين العهدين شبابٌ سوريٌّ ضائعُ الفرص ومُستبعد من المشهد التنموي والسياسي.

علماً أن الشباب السوري يؤثر في المجتمع المدني والمنظمات الخيرية ويقدم مساعدةً ملحوظة للمجتمع، لكن في الحقيقة فإنّ التطوع في المنظمات والانضمام للجمعيات ليست الأشكال الوحيدة للمشاركة بالنسبة للشباب السوري، إذ ثمة أشياء أخرى لابد من ذكرها:
غياب فرصة الشباب للتأثير الفعلي في الرأي السياسي وصناعة القرار يجعل من مشاريع الشباب صعبة
التطبيق بسبب بعض القوانين أو السياسات، مثل تقليل التمويل الخاص بالمؤسسات الداعمة للشباب أو المماطلة
في الكثير من الأحيان، وضعف الاستجابة لهم ناجم عن عدم كونهم جهة رسمية أو غياب من يمثلهم بشكل
قوي في المجتمع والحكومة بحيث يتم تشكيل ضرورة لتأمين البيئة الجيدة بما هو متاح، وبالتالي وإن كان يبدو أن الشباب يأخذون دورهم، إلا أن ذلك ليس سوى في قشور القضايا فقط.

من المشكلات الحالية أيضاً عدم رؤية ضرورة لوجود الشباب في قضايا كبيرة وحسّاسة مثل الديمقراطية
أو الاقتصاد… إلخ، لذلك من المهم التطرّق إلى هذا الجانب، لذلك نسأل: لماذا يجب علينا تنمية دور الشباب في صنع القرار والسياسة؟
يمكن للرؤى الملهمة للشباب في الواقع توجيه السياسة بطرق مهمة، لأنهم يؤمنون إلى حد كبير بالحوار بين
الثقافات والمساواة في الحقوق بين الجنسين، وليس ذلك كل ما في الأمر فقد رأينا الشباب في المظاهرات والاحتجاجات ضد الطغيان ومطالبتهم المستمرة بالحرية في سوريا.
بالإضافة إلى الاختلاط بين الشباب بطريقة أفضل، فالشباب من خلفيات وهويات متنوعة يختلطون مع بعضهم
البعض من خلال الجامعات والفعاليات (الثقافية، الرياضية…) وهذا من شأنه تعزيز التفاهم بين مكونات
المجتمع وخلق انسجام وتعاون أكبر، إذ أن التفاعل السلمي والمنظم الذي يقوده الشباب بين مكونات
المجتمع يزيد من ثقة هذه المكونات ببعضها.
ومن الجدير بالذكر أن الشباب اليوم هم الفئة الأكثر اطّلاعاً على التطورات العالمية في كل المجالات
وأصحاب معرفة أكبر من أي فئة أخرى بالتوجهات التي تواكب العالم (الثورات الرقمية، توجهات المجتمعات،
البيئة، السياسة، التواصل والأبحاث)، ببساطة يمكن إثبات ذلك من خلال النظر للأعداد الموجودة في
الجامعات داخل وخارج القُطر، الشباب المغترب الذي يحظى بالكثير من الخبرات وجاهز لنقلها، الشباب المُبدع المشارك في الفعاليات العلمية والثقافية والشباب المتطوع في المنظمات، مما أعطاه خبرة في العمل المؤسساتي والتنظيم وحسّن العلاقات بين أطياف المجتمع، وذلك ينعكس بوضوح على أرض الواقع فنجد الابتكارات والمقترحات التي يقدمها الشباب تُتيح فرصة لنمّو البلاد وجعلها أكثر تطوراً.
ويمكن الاستعانة بالعديد من الأمثلة حول العالم مثل ألمانيا وبريطانيا، لكن لننظر مثلاً إلى النموذج
المغربي، فقد شهدنا في دولة المغرب التقدم الوطني على مدار العقدين الماضيين في مجالات مثل حقوق الإنسان، الحد من الفقر، وأصبحت الخدمات الأساسية تصل الآن إلى جميع المواطنين، وذلك بسبب دمج الشباب في سياسات التنمية الاجتماعية واحتضان البرلمانيين الشباب.

لكن ما تزال طُرق دمج الشباب غير واضحة للكثيرين، لذا يمكن طرح بعض الطرق المهمة للمساهمة في ذلك والتي قدمت نتائج رائعة ومحمودة من قبل المجتمع سواء في بعض الدول الأوروبية أو العربية، وأبرز تلك الآليات هي برلمان الشباب، إذ أن الحوار هو المفتاح لهذا النهج المتكامل، فبالإضافة إلى قيامنا بمناصرة السياسات التي تراعي احتياجات الشباب، علينا أن نجمع الشباب مع كبار الساسة لضمان إدراج صوت الشباب المتنوع في عمليات الحوار، وأن تتاح للشباب فرصة التأثير في صناعة القرار بشكل حقيقي.
وفي الحقيقة إن النتائج متعددة وإيجابية جداً، كتعزيز التعاون بين الأحزاب المختلفة والعمل المشترك، من خلال الجمع بين الشباب من مختلف الأحزاب السياسية والعمل على بناء الثقة والتواصل ووضع أجندة مشتركة مما يدعم المنظمات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني للضغط والمناصرة بشأن قضايا الشباب وإشراك أصواتهم في عمليات صنع القرار، ما يتيح دمج وجهات نظر الشباب في صنع القرار وزيادة الوعي بقدراتهم وأهميتهم، بحيث نضمن مشاركة المنظمات الشبابية والممثلين السياسيين الشباب في جلسات الحوار متعدد الأطراف، وأن يتم سماع أصواتهم ودمجها، وإدخال المشاركة السياسية للشباب كموضوع في منصات الحوار.
يعزز هذا الأمر الحوارَ بين الأجيال وبين الشباب والقيادات السياسية، لأن هذه الحوارات لها دور كبير في زيادة الإرادة السياسية بين كبار الساسة للدفاع عن المشاركة السياسية الهادفة للشباب، وتساعد الحوارات بين الأجيال على زيادة الثقة والتفاهم المتبادل، والتغلب على الصور النمطية.
وتكمن الغاية من كل ذلك فعلاً في تمكين نُخب مجموعات الشباب في المجتمع من المساهمة بشكل هادف في
السياسة والممارسة السياسية، بغض النظر عن أعمارهم أو جنسهم أو دينهم أو انتمائهم عموماً.
فالبرلمانات يجب أن تكون تمثيلية لأن ذلك يمنح البرلمان شرعية أكبر، مما يجعل البرلمان أفضل، وينتج قوانين عادلة، الأمر الذي يجعل من مجتمعنا أكثر عدالة لأن مشاركة الشباب بصورة أكثر فاعلية في البرلمان يجعل من المؤسسات أكثر خضوعاً للمساءلة .

و من الآليات المهمة أيضاً معاهد الديمقراطية، ويقصد بها تدريب الشباب على الحوار وتقبل الآخر وهي
الأهم، والتدريب على العمل الدبلوماسي بما في ذلك التدريب على العمل ضمن الأحزاب وإدارتها والتمثيل
الصحيح لها، وهذه الآلية في غاية الأهمية لأنها تحدّ من ظهور الجماعات الراديكالية على المدى البعيد أو
القريب وتجعل مجتمعاتنا أكثر انفتاحاً.

على الرغم من كل الميزات المذكورة أعلاه إلا أننا ما زلنا نتعرّض للتجاهل والاستهزاء وما يزال الشباب في تساؤل مستمر: لماذا نحن غير قادرين على المشاركة في هذه العملية؟ ونادراً ما يتم أخذنا في الاعتبار ضمن العمليات الرسمية مثل المشاورات أو تشجيعنا على الترشّح.
إنّ الشباب السوري بحاجة ماسّة لهذه الفرص، ولذا يتمنى من الأحزاب السياسية والسياسيين والمعلمين تحسين العمليات اللازمة للاستماع إلى وجهات نظر الشباب في مختلف المجالات وخاصةً الديمقراطية والعمل الدبلوماسي.

يبقى الأمل دائماً في قادة الغد، ونتمنّى ألّا يكون الشباب فئة مستبعدة هيكلياً في الدولة الجديدة، فإذا كنا نريد
جميعاً أن نعيش في مجتمعات أكثر ثراء، وأن نتمتع بفرص للحصول على تعليم ذي جودة أعلى وعمل أفضل وأن نحظى بالديمقراطية، علينا فتح الأبواب أمام الشباب.

One thought on “الشباب السوري مُستبعَد من المشهد

  1. كلام صحيح ، وعلينا السعي بشكل متواصل لرفع صوت الشباب وإشراكهم في العملية السياسية وما فيه خدمة للوطن والشعب

اترك رداً على نبراس إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *